سيد محمد طنطاوي

68

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

سبحانه - امتثالا تاما وله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه ، تنويها بشأن المقسم ، ولفتا لأنظار الناس إلى ما فيه من منافع . ولفظ « الصافات » مفعوله محذوف . والتقدير ، وحق الملائكة الصافات نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر اللَّه - تعالى - . والترتيب بالفاء في هذه الصفات ، على سبيل الترقي ، إذ الأولى كمال ، والثانية أكمل ، لتعدى منفعتها إلى الغير ، والثالثة أكمل وأكمل ، لتضمنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلي عن الرذائل ، والتحلي بالفضائل . وقوله « صفا ، وزجرا ، وذكرا » مصادر مؤكدة لما قبلها . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ) * جواب للقسم ، وهو المقسم عليه . أي : وحق الملائكة الذين تلك صفاتهم ، إن ربكم - أيها الناس - لواحد لا شريك له في ذاته ، ولا في صفاته ولا في أفعاله ، ولا في خلقه . وقوله : * ( رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ الْمَشارِقِ ) * بدل من قوله * ( لَواحِدٌ ) * أو خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف . أي : إن إلهكم - أيها الناس - لواحد : هو - سبحانه - رب السماوات والأرض ، ورب ما بينهما من مخلوقات كالهواء وغيره ، ورب المشارق التي تشرق منها الشمس في كل يوم على مدار العام ، إذ لها في كل يوم مشرق معين تشرق منه . ولها في كل يوم - أيضا مغرب تغرب فيه . واكتفى هنا بذكر المشارق عن المغارب ، لأن كل واحد منهما يستلزم الآخر ، ولأن الشروق أدل على القدرة ، وأبلغ في النعمة ، ولأن الشروق سابق على الغروب ، وقد قال - تعالى - في آية أخرى : رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ لا إِله إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْه وَكِيلًا « 1 » . والمراد بهما هنا جنسهما ، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون مشرقا - كما يقول العلماء - وعلى كل مغرب من مغاربها التي هي كذلك . وقال في سورة الرحمن : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي : مشرق الشتاء ومشرق الصيف ومغربهما ، أو مشرق الشمس والقمر ومغربهما . وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجيء هذه الألفاظ تارة مفردة ، وتارة على سبيل التثنية ،

--> ( 1 ) سورة المزمل الآية 9 .